محمد سعيد رمضان البوطي

295

فقه السيرة ( البوطي )

فلما فرغ صلى اللّه عليه وسلم من بيعة الرجال بايع النساء ، واجتمع إليه نساء من نساء قريش ، فيهن هند بنت عتبة متنقبة متنكرة لما كان من صنيعها بحمزة رضي اللّه عنه ، فلما دنون منه ليبايعنه قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « تبايعنني على أن لا تشركن باللّه شيئا » ، فقالت هند : واللّه إنك لتأخذ علينا أمرا ما أخذته على الرجال ، وسنؤتيكه ، قال : « ولا تسرقن » ، قالت : واللّه إن كنت لأصيب من مال أبي سفيان الهنة والهنة ، وما أدري أكان ذلك حلّا لي أم لا ؟ فقال أبو سفيان ، وكان شاهدا لما تقول : أمّا ما أصبت فيما مضى فأنت منه في حل ، فقال عليه الصلاة والسلام : « وإنك لهند بنت عتبة ؟ » فقالت : أنا هند بنت عتبة ، فاعف عما سلف عفا اللّه عنك ، قال : « ولا تزنين » ، قالت : وهل تزني الحرة ! . قال : « ولا تقتلن أولادكن » ، قالت : قد ربيناهم صغارا وقتلتهم يوم بدر كبارا ، فأنت وهم أعلم ، فضحك عمر من قولها حتى استغرب ، قال : « ولا تأتين ببهتان تفترينه بين أيديكن وأرجلكن » ، فقالت : واللّه إن إتيان البهتان لقبيح ، ولبعض التجاوز أمثل . قال : « ولا تعصينني في معروف » ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لعمر : « بايعهن » واستغفر لهن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ، فبايعهن عمر ، وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لا يصافح النساء ولا يمس امرأة ولا تمسه ، إلا امرأة أحلّها اللّه له « 1 » . وروى البخاري عن عائشة رضي اللّه عنها ، قالت : كان النبيّ صلى اللّه عليه وسلم يبايع النساء بالكلام ، بهذه الآية : لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً [ الممتحنة : 12 ] ، قالت : وما مست يد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يد امرأة إلا امرأة يملكها ، وروى مسلم عن عائشة بنحوه « 2 » . وأجارت أم هانىء بنت أبي طالب رضي اللّه عنها ، يوم الفتح ، رجلا من المشركين ، وكان علي رضي اللّه عنه يريد قتله ، قالت : فجئت إلى النبيّ صلى اللّه عليه وسلم فوجدته يغتسل ، وفاطمة بنته تستره بثوب ، قالت فسلّمت عليه ، فقال : « من هذه ؟ » فقلت : أم هانىء بنت أبي طالب ، فقال : « مرحبا بأم هانىء » ، فلما فرغ من غسله قام فصلى ثماني ركعات ملتحفا في ثوب واحد ، ثم انصرف ، فقلت يا رسول اللّه ، زعم ابن أمي عليّ أنه قاتل رجلا أجرته ، فلان : ابن هبيرة ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « قد أجرنا من أجرت يا أم هانىء » « 3 » . وأما أولئك النفر الذين كان رسول اللّه قد هدر دمهم ، فقد قتل بعضهم وأسلم

--> ( 1 ) رواه ابن إسحاق وابن جرير . ( 2 ) انظر البخاري : 8 / 135 ومسلم : 6 / 29 . ( 3 ) متفق عليه .